وراء كل امرأة جاهلة ..رجل مستبد
نظرت عائشة إلى ساعة الحائط ، إنها تمام الرابعة عصراً ولحد الآن لم يعد زوجها إلى البيت ولم يتصل بها ليعتذر عن تأخيره... ضاق صدرها من كثرة الانتظار والترقب وكاد رأسها ينشطر إلى نصفين من شدة التفكير ...
انها ليست المرة الاولى التي يتاخر فيها ويغيب عن البيت ، فمنذ ان عاد الى عمله الصحفي وعمل في مكتب جريدة (.........) وهو على هذا الحال .... لكنها اليوم لم تعد تحتمل ذلك فالشك اخذ يجول في قلبها ...
لم تجد ما تفعله سوى ان ترتدي ملابسها بسرعة جنونية ، فخرجت من بيتها تحمل همومها ونوبات جنونها متجهة الى مقر عمله ...
وبينما كان زوجها منهمكا في عمله يقلب الاوراق المتكدسة على طاولته دخلت هي المكتب ... وحينها رفعت رأسي لا أرى من القادم فوجدتها تنظر اليّ بوجه شاحب وابتسامة خرجت قسراً على شفتيها ، لاول مرة في حياتي اشعر ان الابتسام امر موجع لدى البعض ...
كان ذلك اليوم هو اول لقاء بيني وبينها ... استغربت من زميلي الصحفي الذي تغييرت ملامح وجهه الجامدة ودبت فيه تعابير ثائرة ... حين وجدها تقف امامه ، كأنه كان متضايقاً من وجودها ... انه حتى لم يستقبلها ولم يفكر حتى ان يعرفني بها لاادري لماذا؟ بقيت للحظات اتأمل وجهها واراقب سلوكها المضطرب من خلال حديثها ، انفعالها ، حركاتها ، نظراتها.. لكني بعد ذلك تركتهما معا وانصرفت الا ان صوت صراخهما كان مرتفعا لدرجة اني سمعت الكثير من عبارات التجريح والإهانات تنطلق من أفواههم ... الامر الذي جعل صديقي الصحفي يخرج من المكتب منزعجا ، غاضباً ... تاركا زوجته تلملم اوراقه التي نثرها هنا وهناك.
وبعد لحظات وجدتها تقترب مني بخطى ثقيلة ، وكان الاستياء يتطاير من عينيها واهات تطلقها واخرى تكتمها لتتجسم في كلمات اطلقتها في وجهي ....." انتي اذا المحررة الجديدة ......ثم مطت شفتيها وهزت كتفها و اخذت تسالني عن اسمي وهل انا متزوجة ام لا ، وعن ساعات تواجدي في المكتب ... سألتني عن اشياء كثيرة اجبتها واشياء اخرى اجبتها بدون سوأل .... حدثتني عن اشياء قليلة الاهمية بالنسبة لي لكنها كانت تبدو في غاية الاهمية لها.
استغربت من اسلوبها السطحي في الكلام وثقافتها المعدومة التي اثارت اشمئزازي ، الا اني كظمت مشاعري الضجرة وابتسمت في وجهها ..
في ذلك اليوم لم اتمكن من معرفة السبب الحقيقي وراء تصرفاتها الغريبة ولا تصرفات زميلي الصحفي الهمام ...بيد اني ومن خلال زياراتها المتكررة بل واليومية للمكتب تمكنت من معرفة الكثير مما اجهله عنها وعن زوجها ..وفي اخر مقابلة لي معها اخذت تحدثني عن حياتها وعن معاناتها مع زوجها ... صارحتني بأن زوجها وبعد ان وجد نفسه في موقع مميز لم يعد يعبأ بها وانه لم يعد يطيق حتى النظر في وجهها وان معاملته لها قد زادت سوءً لدرجة انه لا يتوانا عن اهانتها وضربها ولا تفه الاسباب .. كما انه اخذا يهددها بالطلاق والزواج من امرأة اخرى .. امرأة تتماشى مع وضعه الجديد .. جميلة وطموحة.. مثقفة ومتعلمة….ليتباهى بها امام اصدقائه ومعارفه الجدد…فهي لم تعد تناسبه… وكأنه الان فقط اخذ ينتبه الى الفوارق بينهم من حيث المستوى الثقافي والعلمي وامور اخرى..
مما جعل حياتها صورة مشوشة ، مضطربة ممتلئة بمزيج من المحاولات الفاشلة والنظرات الساخرة .. لدرجة انها اخذت تشك في أي امرأة تقابلها …. لقد تاثرت بكلامها وحزنت من اجلها فالمسكينة وبعد ان تحملت اعباء الحياة معه وضحت باغلى شيء لاسعاده وتنازلت عن كل طموحاتها واحلامها لتغذي طموحه ،لم تلقى منه سوى هذا الجحود والقسوة وقلة الاحترام …
كان ذلك اليوم هو اخر يوم اراها فيه ، فبعد ان تأكدت من عدم وجود اية علاقة بيني وبين زوجها قطعت زيارتها للمكتب واخذتها شكوكها تتجه نحو امرأة اخرى .. لكن وجهها الشاحب وكلماتها الحزينة ظلت ماثلة امام عيني..
تعجبت كثيرا من سلوك زوجها ومن اسلوب تعامله معها … فكيف لصحفي معروف ان يتصرف بهذه الازدواجية و تكون طريقة تفكيره هكذا ….فأين ذهبت كتاباته ومقالاته التي كانت مقتصرة على المرأه بشكل خاص وعن دورها واهمية وجودها وضرورة تثقيفها … لقد كان يوجه المجتمع بمقالاته الى النهوض بالمرأة وتقديم العون والمساعدة لها والى ضرورة الاحترام المتبادل بين الزوجين …اين ذهب كلامه المشحون بالعاطفة والرومانسية… ام انه ينشر ما يكتبه ليبدو امام القراء بمظهر انيق وليحضى بالشهرة والموقع المميز بين زملائه الصحفيين ….انه وبأنانيته وغروره لم يحاول حتى ان ينهض بزوجته المسكينة او يعاملها حتى بشيء من الاحترام فتركها غارقة في الجهل والحرمان وجعلها فريسة الشك والغيرة