32
{ ويل لكل همزة لمزة }
الهماز اللماز إنسان ساقط في مجال الشرف, منحط من رتبة القيم, منسي في ديوان المثل السامية, لأنه هماز للأعراض, لماز لعباد الله, وهو يهمز بقوله, ويلمز بفعله, فعينه ويده تهمز, ولسانه يلمز, ويل لهذا بالوعيد من عذاب شديد, ومن منال أكيد, ويل لهذا المتسلق على أكتاف البراءة, القارض لأعراض الصالحين.
إن هذا الشرير همه فقط اقتناص المعائب, وجمع المثالب فهو يفرح بالزلة, وتسره السقطة, وتعجبه الغلطة, فهو يذكر السيئات في الناس ولكنه ينسى الحسنات, يستحضر الأخطاء غير أنها تغيب عنه الإصابات؛ لأن نفسه الأمارة مريضة:
ومن يك ذا فم مريض يجد مراً به الماء الزلالا
ولأن عين رشده بها رمد:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
لا يفرح بالفضائل التي تحملها القلوب الطاهرة؛ لأنه جحود حسود, لا يرتاح للصفات الجميلة و المعاني الجليلة في الناس؛ لأن فعله سيئ, وقلبه أسود ولسانه مر:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم
ويل لهذا الهمزة اللمزة من عذاب الله وغضبه, كيف يجورفي حكمه, فهو بالمرصاد لعباد الله, ينشر مساوئهم, يتفكه بمعائبهم, يفرح بزلاتهم, يسعد بعثراتهم, وهو يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ لأنه مخذول مهين, ويضيق ذرعاً بالأوفياء النبلاء والصالحين الأخيار؛ لأنه مارد أثيم, إن سلامة القلب وعفة اللسان موهبة ربانية يغدقها الله على من يشاء من عباده, فترى صاحبها ستراً عفيفاً, طاهر الضمير, صاف السريرة, سليم الصدر, يثني على الجانب المشرق في حياة الناس, تعجبه الخلال الحميدة, تفرحه الخصال الجميلة, يحمل إخوانه على السلامة, يلتمس للعباد العذر, يشيد بالمكارم, ويهمل ما سوى ذلك, ليس عنده وقت لتشريح عباد الله على خشبة نقده, وما عنده فراغ لإحراق أوراق الصالحين بناره.
وإن من يتدبر هذه الآية ينتابه خوف مزعج من عواقب إرسال اللسان في الأعراض, واغتياب عباد الله, وتتبع عوراتهم, وإنها علامة الإفلاس, ونهاية الخذلان, وويل لمن هذا فعله, قاتله الله كيف ينسى نفسه, وتقويم اعوجاجه, وإصلاح ما فسد من أخلاقه, وبناء ذاته, وذهب – تباً له- يتفحص ما ستر الله من العباد, ويكشف المغطى من سجايا الناس, فهو عدو النجاح, حرب للفضيلة, هدم لصروح المكارم, وويل لكل همزة لمزة.
كتاب الله ليس حديثاً يفترى, فما نظمه شاعر, ولا نفثه ساحر, ولا تفوه به كاهن, ل هو كلام الملك الحق المبين.
إن الأحاديث المفتراة متروكة لأساطين الأراجيف, ودهاقنة الزور, وأبطال الشائعات, وحملة الكذب, أما القرآن فهو الصدق كله, والحق أجمعه, لأن الله قاله, وجبريل حمله, ومحمد أداه, تعالى الله وتقدس أن يكون كتابه مفترى, فهو أصدق القائلين, يقول الحق وهو يهدي السبيل.
إن أهل الإفتراء أصناف من البشر كتب الله عليهم الخذلان, منهم دجال مريب, يزرع الخرافات وينشر الأكاذيب ليصرف قلوب الناس إليه, ومنهم شاعر أفاك, يمدح بالباطل ويهجو بالزور ليأكل بلسانه ويعيش بهذيانه, ومنهم ساحر شرير, يقلب الحقائق ويغير الثوابت لينال الحظوة ويكسب المنزلة, ومنهم كاهن فاجر, يدعي علم الغيب ويزعم معرفة المستقبل ليروج بضاعته المزجاة وكسبه الزائف على الخليقة.
أما هذا القرآن الذي طرق العالم, وهز القلوب وأذهل العقول, وأسكت الفصحاء فشأن آخر, إنه فيض من الحقيقة, ونهر من النور, أنزله الحكيم الخبير تبياناً لكل شيء, فهو أحسن الحديث, وأحسن القصص, وأجل المواعظ, وأصدق الكلام, لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه نزل لهداية القلوب, وتطهير السرائر, وعمارة الضمائر, فهو معصوم من الفرية, محفوظ من الكذب, منزه من الزور.
إن الوحي المقدس محفوظ عن نسج الخيال, وتصوير الوهم, فلا يدخله الشك, ولا يتطرق إليه الاحتمال, ولا يمازجه الهزل؛ لأنه يقين في نقله, صادق في خبره, عادل في حكمه, وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً.
إن على من أعرض عن القرآن واستبدله بأقوال البشر وخيالاتهم وأوهامهم أن يتوب إلى ربه من هذا المسلك المشين, والمذهب البشع؛ لأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير, فإذا لم تكن الحياة مع القرآن فمرحباً بالموت, وإذا لم يكن العيش مع هذا الوحي فأهلاً بالمنية؛ لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال.
يكفي القرآن شرفاً أنه حديث لا يفترى, ويكفي أحاديث السمر وروايات البشر من حياة الفنانين أنها ترهات؛ لأنها وهم بلا صحة, وخيال بلا حقيقة, وظل بلا صورة, فكان جزاؤها الإهمال والضياع والخمول, وكان حق القرآن الخلود والبقاء والذيوع : { فأما الزبد فيذهب جفاء وأم ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.
أشغلكم تكاثركم بالأموال والأولاد والأشياء عن الاستعداد للّقاء المحتوم واليوم الموعود. الالتهاء بالتكاثر عن المقصد خذلان, والاشتغال بالوسائل عن المقاصد إفلاس, فالتكاثر يكون بجمع المال وتكديسه وتخزينه, فلا ينفق في الحقوق ولا تؤدى به الواجبات, فيكون الفقر الحاضر والشغل الدائم.
والتكاثر في الأولاد والاعتداد بهم بطراً ورئاء الناس دون أثارة من صلاح أو سعي لرشد, والتكاثر بالنعم ترفاً وبذخاً وإسرافاً؛ لتكون من أعظم العوائق عن الهداية والتزود بالصالحات, والتكاثر ضرب من السفه ومذهب من الرعونة, يناسب عقول الصبيان وطموح الولدان, والتكاثر بالعوامل بلا عمل, فتجتمع في الذهن بلا بصيرة, ويفني في تحصيلها العمر بلا ثمرة, وتذوب في حفظها الأبدان بلا نفع, لأنها عطلت عن الامتثال, وفصلت عن الانتفاع بها, والتكاثر من الملهيات والمسليات والمغريات من شهوات ولذائذ وفنون وهوايات لتصبح الحياة بهيمية ساقطة, والهم سالفة, والعمر أضحوكة, والبقايا مهزلة.
إن المسؤول الذي ألهاه التكاثر بالأوسمة والنياشين والألقاب لهو عابث يحفر لنفسه قبراً في عالم الخذلان والإحباط, وإن العالم الذي ألهاه التكاثر بجمع الغرائب, وحشد العجائب, والتطاول بمحصوله, والتباهي بمحفوظه, على حساب العمل لهو خاسر أشغله ذلك عن مرتبة الربانية, ودرجة الإمامة.
وإن الكاتب الذي ألهاه تكاثر نتاجه, وأشغله هذا السيلان, ونمو بريق الشهرة, وخدعه زخرف المديح لهو كاتب مخذول, إن من قدم الصورة على المضمون, والظاهر على النية والقصد, والدنيا عن الآخرة, والمخلوق على الخالق لهو عبد ضال سعيه وخائب منقلبه.
إن ركعة خاشعة من عابد صادق أجل من ألف رجعة لعبد ساه لاه عابث, إن قراءة آية بتدبر وتفهم خير من ختمة كاملة بلا حضور ولا تفكر, وإن مطالعة صفحة بإمعان أعظم من سرد مجلدات مع شرود وذهول, وإن الحسن أحسن من الكثرة { ليبلوكم أيكم أحسن عملاً } وإن حوضاً من ماء عذب أنفع من بحر ماؤه مالح, وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.