الأفاك هو الكاذب في قوله, والأثيم هو الفاجر في فعله؛ من جمع هذين الوصفين استحق الخزي و الويل؛ لأن من هذا فعله فهو غاو منحرف, فالكذب واختلاق الأقوال وقلب الحقائق والزور في الحديث, دليل على مهانة صاحبه وخسة طبعه وحقارته.
والفجور وعدم مراعاة عهد الله وميثاقه وحفظ حدوده برهان على مرض القلب وفساده.
وإن من أعظم الذنوب الكذب, فهو أصل النفاق وماؤه ومادته, لا أما ن له ولا نور عليه, ولاحجة معه؛ لأنه زائف دجال, والأثيم منتهك للمحرمات, جريء على الحمى, لا يردعه دين ولا تحميه قيم, وفساد الناس مرجعه إلى الكذب في الأقوال, والفجور في الأفعال, فالكذب ينتج الزور والافتراء والبهتان واليمين الغموس مع ما يتبع ذلك من قلب الحقائق والتضليل على الناس, واللعب بالأحكام وتشويه الأخبار, مع سفك الدماء, وسلب الحقوق, ونهب الأموال, وارتكاب الفواحش, فعاد الفساد في العالم إلىهذين الوصفين الأثيمين, فحق على من نصح نفسه وأراد نجاته من البوار أن ينقذ نفسه من مغبة الكذب والفجور بتحري الصدق واستحباب التقوى, ليحصل للعبد الأمان من خزي الدنيا وعذاب الآخرة, إن مواهب الدنيا من مال وولد ومنصب وجاه لن تنفع صاحبها مالم يركب قارب النجاة من الصدق مع الله, وردع النفس عن هواها, والقيام بأمر الله في الأقوال والأعمال, ويكفي تهديداً ووعيداً قول جبار السماوات والأرض : { ويل لكل أفاك أثيم }.
فما بعد هذا من زاجر وليس وراءه من واعظ, إن قائمة الكذبة والسحرة والكهنة وشهود الزور تندرج تحت عنوان الأفاك, وإن قائمة القتلة واللصوص والزناة وأهل السكر والنهب تنضوي تحت كلمة أثيم, فمن جمع الإفك والإثم فقد جمع الخسران, وحق عليه البوار, وكتب عليه الشقاء, جزاء قوله الشنيع, وفعله الفظيع, وما ربك بظلام بالعبيد.
هذا وعد من أصدق القائلين, وهي بشرى لعباده المؤمنين أن سنته الماضية وحكمته القاضية, بأن العسر بعده يسر, فلا يضيق الأمر ويشتد الكرب إلا ويتبعه يسر, فبشر كل مكروب ومنكوب بفجر صادق من الفرج يصادر فلول الشدائد, وما أحسن هذه الآية سلوة للمعذبين بسياط الظالمين, وعزاء للمصابين, وبشرى لأهل البلاء, وهذه الآية هدية غالية لمن طرح في السجن, وغلت يداه, وكبلت رجلاه, ليعلم أن فرجه قريب, وخروجه وشيك إلى عالم الحرية والانطلاق, وهي تحفة ثمينة لمن أقعده المرض, وأضناه البلاء, أنه موعود بشفاء عاجل, وعافية قادمة, فبعد الجوع شبع, وإثر التعب راحة, وعقب السقم شفاء, وخاتمة الشدة رخاء, ونهاية الفقر غنى, النهار يخلف الليل, والنور يطوي الظلام, والماء يزحف على الجدب.
إذا امتدت الصحراء فوراءها رياض خضراء, وإذا اشتد الحبل انقطع, إذا رأيت السحب السود فاعلم أن الغيث الهنيء في جوانحها, وإذا هالك الظلام فتيقن أن الصباح مقبل لا محالة.
إن العسر بعده يسران وليس يسر واحد, لتعلم أن مرارة المعاناة لها نهاية, وشظف العيش إلى انقطاع, وكبد الحياة إلى راحة, لو أن الخوف دائم لتقطعت النفوس حسرة, ولكن بعد أمن وسكينة, ولو أن الحزن مستمر لزلزلت القلوب زلزالها ولكن يعقبه سرور وأنس, ولو أن اليأس مقيم لاسودت الحياة في العيون, لكن خلفه أمل فلا تيأس من روح الله ولا تقنط من رحمة الله, لا تصارع الأوهام, وتقاتل الوساوس, بل انظر من بوابة الرجاء لترى العالم المشهود, والحضرة المأنوسة, والسعادة القادمة, ولترى العناية الربانية تغمرك واللطف الإلهي يحوطك.
{ لاتحزن إن الله معنا } فاغسل همومك بنهر التوكل, { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين }, وذكر نفسك { حسبنا الله ونعم الوكيل }, واحذر من تصديق وعد الأفاك الأثيم والشيطان الرجيم؛ لأنه يعدكم الفقر ويأمركم الفحشاء, ولكن صدق موعد أصدق القائلين: { والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم }.
فبشر آمالك بمستقبل زاه وغد مشرق وفجر باه جديد؛ لأنه سبحانه ما ابتلاك ليهلكك, وما أبدك ليخزيك, بل أراد أن يذكرك بسوط من ألم, وأن يوقظك من غفلتك بوخزة من ندم, وينبهك من رقدتك بجرعة من سقم؛ لتتذكر بالمصيبة النعمة, وبالبلاء العافية, وبالمرض الصحة, وبالسجن الحرية, وبالجوع الشبع, وبالتعب الراحة, فتكون شاكراً ذاكراً, فهو لطيف في الحالين, وحكيم في المسلكين, ولا تدري بالأصلح, ولا تعلم بالأحسن, بل هو الأعلم الأحكم الأحلم الأرحم, جل في علاه, فارض باختياره فاختياره لك خير من اختيارك لنفسك, وعلمه بمصالحك أجل وأعظم من علمك؛ لأنك عبد جاهل فقير ضعيف, وهو عليم غني قوي ملك رحمن رحيم.
الأقضية تقوم على أمرين إما حكم أو وإما صلح, فالحكم قضية عادلة وحكم نافذ, وقد يترك في نفس أحد الخصمين أثراً, فإن الحق لا يرضي الطرفين كما قال الأول:
إن نصف الناس أعداء لمن
ولي الأحكام هذا إن عدل
ولكن الصلح خير, فهو أحسن أثراً, وأسلم عاقبة؛ لأنه يبنى على كرم النفس, وسماحة الطبع, فهو يأتي عفواً بلا حكم صادر من أحد, بل من جودة السجية, وحسن الخلال, فالذي يسعى بالصلح مسدد معان محبوب؛ لأنه يريد البناء والخير, ولهذا قال شعيب: { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}.
عفا عمن ظلمه في عرضه, فالصلح خير على كل جهة أردت؛ لأنه لا يندم على الصلح أحد, إذ يعوض الله قابل الصلح سكينة وأمناً, وبرد عفوٍ ولذة كرم, يجدها في قلبه, لأن المصالح كريم, والكريم واسع البطان, رحب الباع, منشرح الصدر, بخلاف رافض الصلح فإنه يعاقب بحرج في صدره, وضيق في نفسه, جزاءاً وفاقاً لعمله.
واعتبر هذا بالبخيل والجافي الغليظ واللحوح الشحيح, ففيه من جدب النفس, وقحط الروح, وضيق الخلق, ما يفوق الوصف مجازاة لفعله الشنيع.
وما أجمل هذا التعقيب الباهر الساطع: { وأحضرت الأنفس الشح } وهو تحذير للنفوس من هذا المرض الذي يصحبها, ويغلب عليها فلا تقبل صلاحاً, ولا تعفو عن مظلمة, ولا تتنازل عن حق, ولا تعطي نوالاً إلا من رحم اللهو ولكن في قوله : { وأحضرت } صورة حية لحضور شبح الشح الجاثم القاتم, وكأنه ليل مكفهر, حضر بأسماله السوداء ووجهه العابس.
ثم ذكر الأنفس لأنها مصدر الخير والشر, والجود والبخل, فمن حدث نفسه بالمعروف قبل الصلح وسعى إلى المسامحة, ومن بخلت نفسه وظنت ضيقت على عباد الله, وسعت في استيفاء حقوقها بشراسة وعناد, وفي قوله: { الشح} إشراق في العبارة؛ لأن الشح غاية البخل ومنتهاه, وهو أشمل من البخل الذي هو منع العطاء, وحبس التدفق, يزيد بترك العفو, ورفض المسامحة, والسعي في المطالبة والمعاتبة والمضاربة حتى قال ابن تيمية: المؤمن الصادق لا يضارب ولا يعاقب ولا يطالب, إنما يمنع الإصلاح, قبول شح الأنفس الأمارة, ولهذا حسن أن يزف في سياق الآية, فمن نجا من شح نفسه عاش صالحاً مصلحاً, فصار كالغمامة أينما حلت هلت, فهو جواد عن الخصومة, سهل عفو عند المنازعة, يسير عند الجدال, صفوح عند المعاتبة, بخلاف الشحيح فهو بخيل بنواله, ثقيل في مطالبه, عنيد في خلافه, شرس في طباعه, وصدق الله : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون }.