يقول الجن لما سمعوا القرأن: إنا سمعنا قرآناً عجباً.
عجيب!! حتى الجن يتعجبون من القرآن, ومن الذي لايعجب من القرآن؟! ومن هو الحي الناطق السميع البصير الذي لا يعجبه القرآن ويشجيه ويبكيه؟؟ ومن هو الذي له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ولا يتأثر بالقرآن؟! أما الإنس فقد عجبوا كل العجب وذهب بهم الإعجاب كل مذهب, وقال قائلهم: إن له حلاوة وعليه طلاوة, وأما الجن فهم يصيحون صيحة المعترف: { إنا سمعنا قرآناً عجباً } فهو العجب كله, والحسن أجمعه, في آياته, ففيها من التناسق والتناغم والروعة ما يفوق الوصف والعجب في سورة, فلكل سورة مشهد وإيحاء ورسائل غير الأخرى, وعجيب في عرضه الذي يقتحم أسوار النفس, ويزلزل أعماق القلب, ويحتل مناطق التأثير, ويجتاح مستعمرات الضمير.
عجب لهذا القرآن, نعيده نكرره نشرحه نتدارسه نحفظه ثم يبقى غضاً راقياً مشرقاً جديداً, عجباً لهذا كأنه يسوقنا إلى الآخرة بجحافل من رعب, وكأنه يحجزنا عن الإثم والخطيئة بسياج من الهدى, وكأنه يبعثنا كل يوم من قبور الإهمال وأجداث النسيان, عجب لهذا القرآن كلما لغونا ولهينا وسهرنا نادانا من جديد, هلموا إلى الحق والجد والعمل, كلما ضعنا وتهنا وضللنا صاح بنا هنا الطريق هنا الهدى هنا الفلاح, كلما أذنبنا وأخطأنا دعانا أقبلوا على رب رحيم وملك كريم وجواد حليم, كلما فترنا وتكاسلنا وتراخينا هزنا يا ناس واصلوا, ياقوم عجلوا وأبشروا واجتهدوا, كلما غضبنا وحزنا وضاقت السبل أمامنا صب القرآن على قلوبنا سحب الرضوان والسكينة والأمن, صدق الجن: { إنا سمعنا قرآنا عجباً } إنه كلام يشبع الروح, ويروي غليل النفس, ويغسل أدران الضمير, إنه أحسن القصص تسلية وتعزية وأسوة, إنه موعظة تردع عن الزلل وتحمي من الإنحراف وتعصم من الذنب وصدق الجن: { إنا سمعنا قرآناً عجباً }.
تسنع القصائد وتنصت للمحاضرات وتروعك الخطب تشجعك المواعظ ثم تسمع القرآن فكأنك ما سمعت شيئاً وما أعجبك شيء, ومانهرك شيء؛ لأنه لاريب فيه, يرشد من الحيرة, ويحفظ من الضلال, ويعصم من الزيغ, فالقرآن حياة من الهناء والسعادة, وعالم من الإبداع والجمال, وتاريخ من الأحداث والقضايا, وسجل من الشرف والرفعة, وديوان من الخلود والنبل, بل تاريخ أمة, وخطاب عالم, وكلام إله, ومستقبل أجيال, وقضية معجزة, هو حق يدفع باطل, ونور يكشف ظلاماً, وصدق ينهر كذباً, وهدى يحارب ضلالاً, وعدل يطارد ظلماً, وصدق الجن: { إنا سمعنا قرآناً عجباً }.
مدح الله نفسه بهذا الوصف المتضمن قدرته جل في علاه, وأنه لايقع شي في العالم إلا بإذنه, فهو كل يوم في شأن, يخفض ويرفع, يعطي ويمنع, يقبض ويبسط, يولي ويخلع, يغني ويقني, يضحك ويبكي, يميت ويحيي, يهدي ويضل, يعافي ويبتلي.
كل يوم هو في شأن؛ يعطي فقيراً. يهدي حائراً,ً يشافي مريضاً, يرد غائباً, يرشد ضالاً, يشبع جائعاً, يسقي ظمآناً.
كل يوم هو في شأن؛ يسحق طاغياً, يمزق باغياً, يكبت فاجراً, يهزم كافراً, يخذل عدواً, يرد معتدياً, ينصر ولياً, يحفظ صالحاً, ينجد ملهوفاً, يجيب داعياً, يحمي مظلوماً, يعطي سائلاً, يمنح نائلاً, يجبر كسيراً, يعين مسكيناً, يرحم ميتاً, يعافي مصاباً, يدحض باطلاً, ينصر حقاً.
كل يوم هو في شأن؛ ينزل الغيث, يسوق الغمام, يجري الريح, يسخر البحر, يزيد العابدين, يوفق الصالحين, يدل المجتهدين, ينصر المجاهدين, يؤمن الخائفين, يتوب على التائبين, يغفر للمستغفرين.
كل يوم هو في شأن؛ يولج الليل في النهار, يرسل البرق يكاد يذهب بالأبصار, يجري السفن في البحار, يحوط المسافرين من الأخطار.
كل يوم هو في شأن؛ يكشف كرباً, يزيل خطباً, يغفر ذنوباً, يحل ويبرم, يقدم ويؤخر, يثيب الطائع, يحلم على المقصر, يتجاوز عن المسيء, يستر المذنب, يمهل العاصي.
كل يوم هو في شأن؛ يفلق الحب والنوى, يعلم ما في الأرحام, يكتب الآجال, يحصي الأعمال, ينزل الأرزاق, يفك القيود, يطلق الأسرى, يكلؤ من في البر والبحر, يرعى المسافرين, يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور.
كل يوم هو في شأن؛ يعزل ولاة, يخلع ملوكاً, يهلك دولاً, يبيد شعوباً, يأخذ المتكبرين, يقصم المتجبرين.
وإن من ينظر في الكون نظرة المتبصر ويفكر في المخلوقات ومايقع في الأرض من أعمال وحوادث يعجب من عظمة الملك الواحد الأحد وسعه اطلاعه وبالغ علمه, جل في علاه, فكل حركة معلومة, وكل لفظة محسوبة, وكل نقطة أو ورقة أو ثمرة محصية, عالم هائل من الحياة والموت, والغنى والفقر, والصلاح والفساد, والسلم والحرب, والهداية والغواية, والصحة والمرض, كل ذلك بإذن الملك الحق الذي لاتخفى عليه خافية من أعمال هذه الخليقة, فلا يلتبس عليه أمر, ولا تختلف عليه لغة, ولا يعزب عن علمه شيء, ولا تفوته حركة, ولا تند عن علمه كائنة, وقد وسع علمه كل شيء, وقد عم فضله وانتشر إحسانه.
إن العالم شركة صاخبة من البناء والنتاج والتزاوج والتوالد والاتفاق والاختلاف والسلم والحرب, تصالح وتقاتل, تآلف تباين, بيع وشراء, حل وترحال, يقظة ونوم, حياة وموت, لكن المذهل أن ذلك بعلم الأحد الصمد وبتقديره وتدبيره واطلاعه جل في علاه.
ملائكة تكتب وسجلات تحصى وألام تخط ودواوين محفوظة, والرقيب والحسيب على ذلك كله عالم الغيب والشهادة الذي لاتخفى عليه خافية.
هذا قول إخوان القردة والخنازير الأنذال, يقولون يد الله مغلولة, أي بخيلة { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }, قاتلهم الله كيف تكون يد الجواد الماجد مغلولة, وكل نعمة قديمة أو حديثة, ظاهرة أو باطنة, جليلة أو قليلة منه وحده جل في علاه: { وما بكم من نعمة فمن الله }, كيف تكون يده مغلولة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, وهو الذي صمدت إليه الكائنات, وسألته المخلوقات مع اختلاف اللغات وتعدد اللهجات, بشتى الحاجات, فأعطى الجميع, ومنح الكل, وما نقصت خزائنه ولا انتهى فضله, يقول عز وجل : " يا عبادي, لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر".
كيف تكون يده مغلولة وهو الذي يطعم كل مخلوق, ومن فضله يعيش كل حي { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} يطعم الطير في الهواء, والسمك في الماء, والوحش في البيداء, والدود في الطين, والليث في العرين: { يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن }.
عم فضله, وشمل نواله, وعظم كرمه, وظهر جوده, من جاد فمن جوده يجود, عاش أعدائه من فيض عطائه, وتقلب عبيده في نعمائه.
كيف تكون يده مغلولة وقد طبق العالم إحسانه, وعم الكون امتنانه, ملأ الخزائن, وأشبع البطون, فبابه مفتوح وجوده يغدو ويروح, وخيره ممنوح, يعطي قبل السؤال, ولا يغيض ما عنده النوال؛ لأنه ذو الجلال والجمال والكمال.
هل من رازق غيره؟ هل من معط سواه؟ هل من متفضل إلا هو جل في علاه؟ وتأمل قوة الرد على فرية اليهود وجزالة اللفظ وإشراق المعنى وبراعة الحجة, فإنهم قالوا لعنهم الله: { يد الله مغلولة }, فخصوا يداً واحدة, فرد عليهم بقوله: { غلت أيديهم }, فرد بالجمع, ثم فال: { بل يداه } فذكر اليدين الاثنتين المباركتين, ثم وصفهما بأنهما مبسوطتان بالعطاء, ثم ذكر كيفية العطاء وحال هذا السخاء فقال : { ينفق كيف يشاء }, فتقدس اسمه ما أكرمه, وتبارك في علاه ما أحمله, وعز جاهه ما أعلمه.
وانظر إلى منهج القرآن كيف أورد الشبهة باقتضاب ثم رد عليها باسهاب, وأطنب في تفنيدها ودحضها حتى شفى القلب بهذا البيان الناصع, والبرهان الساطع, بخلاف ضعاف المجادلين فإنهم يتوسعون في عرض الشبهة, ثم يردون عليها رداً ضعيفاً فتبقى آثارها في القلب شبهاً وشكوكاً فتبارك الله ما أحسن قيله.
وانظر إلى صدق المهيمن وكمال جبروته, فإنه أخبرنا بهذه المقولة الخاطئة الهابطة من هؤلاء الحقراء التافهين, وهي مقولة تتعرض لذاته المقدسة ومقامه العظيم, ومع ذلك ذكرها صريحة مثلما قالوها, قاتلهم الله. بخلاف البشر, فإنهم لضعفهم وعجزهم لا يذكرون مايقال عنهم من شتم, وإن قالوا فباستحياء وخجل على مذهب كاد المريب أن يقول خذوني, لكن الله عز وجل لتفرده بكل وصف جميل لم يبال بهذا السقط من القول, والسخف من الحديث, بل ذكره ليدحضه, وأخبر به ليدفعه, وهو ما حدث في هذا الخطاب الباهر العجيب.