{ فاعلم أنه لا إله إلا الله } فلا تشرك معه في عبوديته أحداً, ولا تدعو من دونه إلهاً آخر, بل تصرف له عبادتك, وتخلص له طاعتك, وتوحد قصدك له ومسألتك ودعائك, فإذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, فلا يستحق العبادة إلا هو, ولا يكشف الضر غيره, ولا يجيب دعوة المضطر سواه.
{ فاعلم أنه لا إله إلا الله} فهو أحق من شكر, وأعظم من ذكر, و أرأف من ملك, وأجود من أعطى, وأحلم من قدر, وأقوى من أخذ, وأجل من قصد, وأكرم من ابتغى, فلا إله يدعى سواه, ولا رب يطاع غيره, فالواجب أن يعبد وأن يوحد وأن يخاف وأن يطاع وأن يرهب وأن يخشى وأن يحب.
{ فاعلم أنه لا إله إلا الله} المتفرد بالجمال والكمال والجلال خلق الخلق ليعبدوه, وأوجد الإنس والجن ليوحدوه, وأنشأ البرية ليطيعوه, فمن أطاعه فاز برضوانه, ومن أحبه نال قربه, ومن خافه أمن عذابه, ومن عظمه أكرمه, ومن عصاه أدبه, ومن حاربه خذله, يذكر من ذكره, ويزيد من شكره, ويذل من كفره, له الحكم وإليه ترجعون.
{ فاعلم أنه لا إله إلا الله } فأخلص له العبادة؛ لأنه لا يقبل الشريك, وفوض إليه الأمر؛لأنه الكافي القوي, واسأله فهو الغني, وخف عذابه لأنه شديد, واحذر أخذه لأنه أليم, ولا تتعدى حدوده لأنه يغار, ولا تحارب أولياءه لأنه ينتقم, واستغفره فهو واسع المغفرة, واطمع في فضله لأنه كريم, ولذ بجنابه فهناك الأمن, وأدم ذكره لتنل محبته, والزم شكره لتحظى بالمزيد,وعظم شعائره لتفوز بولايته, وحارب أعدائه ليخصك بنصره.
هذه أعظم قضية في العالم, وأكبر مسألة في الدنيا, وهي مسألة أن تعلم وتقر وتعترف أنه لا إله إلا الله فلا تعبد غيره, ولاتوحد سواه.
إن الخلق خلقوا ليعلموا أن لا إله إلا الله, وأن الكتب نزلت لتثبت لا إله إلا الله, وإن الرسل بعثت لتدعو إلى لا إله إلا الله, فقبل أن تعلم اعلم أن هلا إله إلا الله, وقبل أن تدعو حقق لا إله إلا الله, وقبل أن تأمر وتنهى صحح لا إله إلا الله.
إن بداية الطريق لمن أراد الحياة الطيبة والعيش السعيد والخاتمة الحسنة والخلود في الجنة لهي هذه الكلمة الرائدة الخالدة بكل ما تحويه من معنى أراده الله عز وجل يوم فرض على العباد تحقيقها, ولابد لهذه الكلمة من اعتقاد جازم لا يخاطه شك, وحب صادق لا يكدره سخط, وصدق في قولها لا يمازجه كذب, وعمل بمقتضاها لا يناقضه مخالفة, ودعوة إليها لا يصاحبها فتور, وسلامة من كل ما يضادها أو يعارضها من شرك أو رياء أو بدعة ليكون قائلها أسعد الناس بها في الدنيا والآخرة.
لقد نزلت هذه السورة على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أول داعية ليكون القدوة للناس, والأسوة للبشر في معرفة سر هذه الرسالة الخاتمة, ومعرفة مقصدها ومرادها.
إن موجزها تعريف الناس بكلمة لا إله إلا الله, وكل قول وعمل واعتقاد في الدين فإنه من هذه الكلمة انبثق, وإن هذه العبارة شعار فهي أصول الأصول, وبوابة الديانة, وطريق الفلاح, ولأن الله صاحب الكمال والجلال والجمال والعظمة فحقنا أن نوحده بلا إله إلا الله, ولأننا أهل الذنب والخطيئة والعيب والتقصير فعلينا الاستغفار؛ ولهذا قال بعدها: { واستغفر لذنبك }, إن الله هو الخالق الرازق, وهو حقيق بالأوهية والربوبية, وإن العبد مخلوق مرزوق مطعوم محتاج, فحقه أن يستغفر فقط من سيئاته وخطاياه.
إن بين لا إله إلا الله واستغفر صلة, كما بين الرب القوي الغني الماجد الواحد الجواد, وبين العبد الضعيف الفقير الحقير المحتاج الفاني, كل فضل وكل نعمة وكل عطية فمن الله, فواجب علينا أن نقر له بلا إله إلا الله, وكل خلل وزلل وعلل فمنا فحق علينا قول : أستغفر الله.
إن العبد بين نعمة وذنب؛ ولهذا جاء الحديث : " وأبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي". فالنعمة من الله الذي لا إله إلا هو, والذنب من العبد الذي منجاته في التوحيد والاستغفار.
إن التوحيد حق لله لا ينازعه أحد فيه؛ لأنه واحد في ربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله, والاستغفار نجاة للعبد الذي غره شيطانه وخدعته نفسه وغلبه هواه و أشغلته دنياه فوقع في المعصية.
والآن لك أن تعرف سر الاقتران اللطيف بين التوحيد والاستغفار, وهذا وارد في عدة مواطن في القرآن مثل: { فاستقيموا إليه واستغفروه }. ومثل: { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين }, وعند أبي يعلى في الحديث: " أن الشيطان يقول: أهلكت العباد بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار".
تبدأ قصة النبوة بكلمة اقرأ يوم نزلت على رسولنا صلى الله عليه وسلم في الغار, ومن بداية اقرأ بدأنا, بدأ تاريخنا ومجدنا وحياتنا, ومن تاريخ نزول اقرأ بدأت مسيرتنا المقدسة, وتغير بها وجه الأرض, وصفحة الأيام, ومعالم الدنيا, فتلك اللحظة هي أسعد لحظة في حياتنا نحن المسلمين, وهي اللحظة الفاصلة بين الظلام والنور, والكفر والإيمان, والجهل والعلم, واختيار اقرأ من بين قاموس الألفاظ وديوان اللغة له سر عجيب ونبأ غريب, فلم يكن مكان اقرأ غيرها من الكلمات لا اكتب ولا ادع ولا تكلم ولا قل ول اخطب, إنما اقرأ, ويالها من كلمة جليلة جميلة أصيلة.
اقرأ يا محمد قبل أن تدعو, واطلب العلم قبل أن تعمل{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}.
إن اقرأ منهج حياة ورسالة حية لكل حي تطالبه بتحصيل العلم النافع وطلب المعرفة, وأ، يطرد الجهل عن نفسه وأمته.
وأين يقرأ – بأبي هو وأمي – وهو ما تعلم على شيخ ولا رأى كتاباً ولا حمل قلماً؟
يقرأ أولاً باسم ربه كلام ربه, فمصدره الأول الوحي يتلوه غضاً طرياً, ويقرأ في كتاب الكون المفتوح ليرى أسطر الحكمة تخطها أقلام القدرة, فيقرأ في الشمس الساطعة, والنجوم اللامعة, والجدول والغدير, والتل والرابية, والحديقة والصحراء, والأرض والسماء:
وكتابي الفضاء أقرأ فيه
صوراً ماقرأتها في كتاب
وكلمة اقرأ تلك تدل على فضل العلم وعلو مكانته, وأنه أول منازل الشرف والرفعة, وطريق السيادة والمجد, وبوابة السعادة والنجاح..
وكل سعادة وفلاح فسببها العلم, فرسالته صلى الله عليه وسلم علمية عملية؛ لأنه بعث بالعلم النافع والعمل الصالح: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث".
فاليهود عندهم علم بلا عمل, فغضب عليهم, والنصارى لديهم عمل بلا علم, فضلوا, فأمرنا بالاستعاذة من سبيل الطائفتين: { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين }.
وكلمة اقرأ رسالة موحية لها دلالات وأبعاد وأسرار, فهي إبقاء للهمة لتطلب الهدى من مظانه, وتغوص في فهم الحياة, وتبحث عن الحقيقة, وتكشف أسرار الكون, وتطالع الآيات البينات في الإنسان والحيوان والجماد, وتسافر مع البحث العميق والدراسة النتأنية والعمق المعرفي الذي يكشف عظمة الخالق وقدرة الباري وحكمة الصانع جل في علاه.
أنتم الأمة الوسط, وأنتم وسط بين اليهود الذين قتلوا الأنبياء والنصارى الذين عبدوهم, إذ إنكم أطعتموهم واتبعتموهم, وأنتم وسط في الزمان, ماجئتم في أول الزمان فلا تجارب ولا تاريخ, وماجئتم في ذيل الدهر, بل سبقكم أمم وجاء بعدكم أجيال, فاعتبرتم بالسابقين, وأفدتم اللاحقين.
ووسط أنتم في المكان, فلستم في زوايا الأرض ولا في أطراف الدنيا, بل كنتم في قلب المعمورة, فدينكم شع من أم القرى لتوزعوا الهداية على الناس, وأنتم وسط في الديانة فلم تعبدوا كل شيء من حجر وشجر ومدر كما فعل المشركون, ولم ترفضوا العبودية جملة وتفصيلاً كما فعلت بعض الأمم, بل عبدتم الواحد القهار, ووحدتم العزيز الغفار.
ووسط أنتم في المعيشة, فلم تفعلوا فعل اليهود في البذخ والإسراف والانهماك في اللذائذ وتصيد الشهوات, ولم تفعلوا فعل النصارى في الرهبانية والانقطاع والتبتل وعذاب النفس, بل أعطيتم الجسم حظه والروح حقها.
ووسط أنتم في الفنون فلم تفعلوا ما فعل فارس إذ كانت حياتهم هوايات وتسليات, ولافعل الروم إذ جردوا حياتهم من كل ممتع بهيج, بل لكم الجمال المباح والسحر الحلال من الأقوال والأفعال, والنافع والمفيد من مباهج الحياة.
وأنتم وسط في الأخلاق, فلم تفعلوا فعل الأمم العدوانية المتوحشة الذين بغوا وطغوا وفتكوا, ولم تنهجوا نهج من استسلم لخصمه وذل لعدوه وقال: " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر", بل عندكم صفح وحلم عمن يستحق, وتأديب وقصاص لمن يعتدي, والكل له قدر.
وأنتم وسط في باب العلم فلم تجعلوا العلم مقصوداً لذاته كما فعل اليونان, ولم تهملوه وتضيعوه فعل الأمم البليدة التي غلب عليها الغباء؛ بل جعلتم العلم وسيلة إلى كل فضيلة, وطريقاً إلى صلاح الدنيا والآخرة والفلاح في الدارين.
ووسط أنتم في العبادة فما أعرضتم عن النسك فعل الفجرة الجفاة, وما شققتم على نفوسكم وعذبتم أرواحكم فعل أهل الصوامع مع الغلاة؛ بل اقتصدتم في العبادة مع الحسن, واعتدلتم في النسك مع الجودة.
ووسط أنتم في التكفير فما همتم مع الخيال فعل الشعراء الذين هم في أودية الوهم هائمون, وما جمدتم جمود الفلاسفة وقست قلوبهم, بل أنتم مع الحقيقة سائرون, فجمعتم بين القوة والرحمة, والواقعية والجمال, والنص والمعنى, فأنتم وسط بين طرفين, وحسنة بين سيئتين, ونجاة بين مهلكتين, وقد وفق الله أهل السنة والجماعة ما بين قدرية يقولون إن الأمر مستأنف ولم يسبق قضاء من الله والجبرية الذين قالوا لا مشيئة للعبد وهو مجبور على كل فعل يفعله من طاعة ومعصية, فأهل السنة أثبتوا علم الله وقضاءه وقدره ومشيئته وأثبتوا للعبد مشيئة, تحت مشيئة الله.
وهم وسط في باب الوعد والوعيد بين الخوارج الذين كفروا لاكبيرة والمرجئة الذين قالوا لاتضر المعاصي مع الإيمان.
فأهل السنة لم يكفروا أهل الكبائر وإنما فسقوهم وقالوا بنقص إيمانهم.
وهم وسط في باب الأسماء والصفات بين من نفاها وشبه الله بخلقه أو مثله بهم, فأثبتوا ما أثبته الله ورسوله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }.
ووسط في باب حب أهل البيت بين النواصب الذين سبوهم والروافض الذين غلوا فيهم وسبوا الصحابة لأجلهم فأحبهم أهل السنة وتولوهم وأنزلوهم المنزلة اللائقة بهم.