الرسالة كاملة كما سمعتها كاملة, بلغها تامة مثلما حملتها تامة, لا تنقص منها حرفاً, ولا تحذف كلمة, ولا تغفل جملة.
بلغ ما أنزل إليك فهي أمانة في عنقك سوف تسأل عنها, فبلغها بنصها وروحها ومضمونها.
بلغ ما أنزل إليك من الوحي العظيم, والهدى المستقيم, والشريعة المطهرة, فأنت مبلغ فحسب؛ لا تزد في الرسالة حرفاً, لا تضف من عندك على المتن, لا تدخل شيئاً في المضمون, لأنك مرسل فحسب, مبعوث ليس إلا, مكلف ببلاغ, مسؤول من مهمة, مثلما سمعت بلغ, ومثلما حملت فأد.
بلغ ما أنزل إليك, عرف من عرف وأنكر من أنكر, استجاب ما استجاب وأعرض من أعرض, وأقبل من أقبل.
بلغ ما أنزل إليك, بلغ الكل, وادع الجميع, وانصح الكبراء والمستضعفين, السادة والعبيد, الإنس والجن, الرجال والنساء, الأغنياء والفقراء, الكبار والصغار.
بلغ ما أنزل إليك, فلا ترهب الأعداء, ولا تخف الخصوم, ولا تخش الكفار, ولا يهولك سيف مصلت, أو رمح مشرع, أو منية كالحة, أو موت عابس, أو جيش مدجج, أو حركة حامية.
بلغ ما أنزل إليك فلا يغر بك مال, ولا يعجبك منصب, ولا يزدهيك جاه, ولا تغرك دنيا, ولا يخدعك متاع, ولا يردك تحرج.
وشب طفل الهدى المحبوب متشحاً
بالخير متزراً بالنور والنار
في كفه شعلة تهدي وفي دمه
عقيدة تتحدى كل جبار
وفي ملامحه وعد وفي يده
عزائم صاغها من قدرة الباري
13
{ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }
إذا لم تؤد الرسالة كاملة فكأنك ما فعلت شيئاً, وإن لم توصلها تامة فكأنك ما قمت بها حق القيام, ولو كتمت منها مقالة أو عطلت منها نصاً أو أهملت منها عبارة فما بلغت رسالة الله وما أديت أمانة الله, نريد منك أن تبلغ رسالتنا للناس كما ألقيت عليك, وكما نزل بها جبريل, وكما وعاها قلبك.
بلغ الرسالة كاملة ولاتخف أحداً, وكيف تخاف من أحد ونحن معك نحفظك ونمنعك ونحميك ونذب عنك, لن يقتلك أحد لأن الله يعصمك من الناس, ولن يطفئ نورك أحد لأن الله يعصمك من الناس, ولن يعطل مسيرتك بشر لأن الله يعصمك من الناس, اصدع بما تؤمر, وقل كلمتك صريحة شجاعة قوية, لأن الله يعصمك من الناس, اشرح دعوتك, وابسط رسالتك, وارفع صوتك, وأعلن منهجك, وما عليك؛ لأن الله يعصمك من الناس.
كل قوة الأرض لن تستطيع إليك, كل جبروت في الدنيا لن يهزمك, كل طاغية في المعمورة لن يقهرك, لأن الله يعصمك من الناس.
شرحنا لك صدرك فكنت بساماً في الأزمات, ضحاكاً في الملمات, مسروراً وأنت في عين العاصفة, مطمئناً وأنت في جفن الردى, تداهمك وأنت ساكن, وتلتف بك الحوادث وأنت ثابت؛ لأنك مشروح الصدر, عامر الفؤاد, حي النفس.
شرحنا لك صدرك فلم تكن فظاً قاسياً غليظاً جافياً, بل كنت رحمة وسلاماً وبراً وحناناً ولطفاً, فالحلم يطلب منك, والجود يتعلم من سيرتك, والعفو يؤخذ من ديوانك.
فأنت مغفور لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, وأنت الآن نقي طاهر من كل ذنب وخطيئة, ذنبك مغفور , وسيعك مشكور, وعملك مبرور, وأنت في كل شأن من شؤونك مأجور, هنيئاً لك هذا الغفران, وطوبى لك هذا الفوز, وقرة عين لك هذا الفلاح.
17
{ الذي أنقض ظهرك }
أثقل هذا الوزر كاهلك, وأضنى ظهرك حتى كاد ينقضه ويوهنه, فالآن أذهبنا هذا الثقل, وأزلنا هذه التبعة, وأعفيناك من هذا الخطب, فاسعد بهذه البشرى, وتقبل هذا العطاء, وافرح بهذا التفضيل.
لا أذكر إلا تذكر معي, يقرن ذكرك بذكري في الأذان والصلاة والخطب والمواعظ, فهل تريد شرفاً فوق هذا؟
يذكرك كل مصل, وكل مسبح, وكل حاج, وكل خطيب, فهل تطلب مجداً أعلى من هذا؟
أنت مذكور في التوراة والانجيل, منوه باسمك في الصحف الأولى والدواوين السابقة, اسمك يشاد به في النوادي, ويتلى في الحواضر والبوادي, ويمدح في المحافل, ويكرر في المجامع.
{ ورفعنا لك ذكرك } فصار في الأرض مسير الشمس, وعبر القارات عبور الريح, وسافر في الدنيا سفر الضوء, فكل مدينة تدري بك, وكل بلد يسمع بك, وكل قرية تسأل عنك.
{ ورفعنا لك ذكرك} فصرت حديث الركب, وقصة السمر,وخبر المجالس, وقضية القضايا, والنبأ العظيم في الحياة.
{ ورفعنا لك ذكرك } فما نسي من الأيام, وما محي مع الأعوام, وما شطب من قائمة الخلود, وما نسخ من ديوان التاريخ, وما أغفل العظماء ذاتك, فمن ارتفع ذكره من العباد عندنا فبسبب اتباعك, ومن حفظ اسمه فبسبب الاقتداء بك.
ذهبت آثار الدول وبقيت آثارك, ومحيت مآثر السلاطين وبقيت مآثرك, وزالت أمجاد الملوك وخلد مجدك, فليس في البشر أشرح منك صدراً, ولا أرفع منك ذكراً, ولا أعظم منك قدراً, ولا أحسن منك أثراً, ولا أجمل منك سيراً.
إذا تشهد متشهد ذكرك معنا, وإذا تهجد متهجد سماك معنا, وإذا خطب خطيب نوه بك معنا, فاحمد ربك لأننا رفعنا لك ذكرك.