3
{ إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين }
كل ما سبق توطئة وتمهيد للقصة, وتهيئة لها ولفت انتباه قبل إيرادها وسردها.
وتبدأ القصة الشائقة الماتعة الرائعة بلا حواش ثقيلة وبلا تفاصيل مملة.
تبدأ ويوسف في عهد الصبا وسن الطفولة, يستفيق ذات يوم من نومه وقد رأى رؤيا عجيبة ليقصها على أبيه النبي يعقوب عليه السلام.
رأى يوسف أن أحد عشر نجماً مع الشمس والقمر يسجدون له. وعرف يعقوب التأويل؛ لأن نور النبوة في قلبه, ولم يشرح ليوسف الرؤيا لمصلحة راءها, بل وجد أن الأهم من ذلك وصيته له بكتمها وعدم إفشائها وترك نشرها على إخوته؛ لأنها سوف تثير عليه حسداً دفيناً وعداوة متربصة وانتقاماً مؤذيا.
وفي الآية لطف الأب مع ابنه وحنانه عليه, وتوجيهه إلى ما ينفعه, وتحذيره عما يسوءه, ونجابة يوسف وذكائه مع صغره, وعرض الرؤيا إذا كانت من المبشرات, وترك تفسير الرؤيا إذا كان في ذلك مصلحة, وكتم السر إذا حصل بإفشائه ضرر وعليه الأثر: " استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان, فإن كل ذي نعمة محسود", والحذر من الأقران, وستر النعم إذا خشي من إظهارها عدوان عليها, وأن الشمس والقمر والنجوم في المنام عظماء أو علماء أو زعماء, وفيه أن تفسير الرؤيا قد تتأخر سنوات عديدة وأزماناً مديدة ثم تقع بإذن الله.
وإنما قال رأيتهم لي ساجدين, بالجمع للعقلاء, ولم يقل ساجدات؛ لأنه لما نسب إليها السجود وهو وصف لمن يعقل ألحقها بالعقلاء, وهذه رؤيا ليست عادية, بل تنبئ عن مستقبل زاهر ليوسف, وسوف يكون له مع التاريخ صولة ومع الدهر دولة, ومع الأيام جولة, سوف يصل إلى تحقيق هذه الرؤيا لكن عبر طريق ملؤه الشوك والضنى والمشقة والبلوى والدموع والشكوى والفراق والفجيعة والمكر والكيد والحبس والقيد والأذى والتشويه والامتحان والصبر, ولكن كما قال ابو الطيب:
جزى الله المسير إليك خيراً ..... وإن ترك المطايا كالمزاد
سوف تقع هذه الرؤيا كفلق الصبح, ولكنها لن تقدم بين عشية وضحاها على طبق من ذهب, لأن المنازل العالية والمراتب الجليلة لا يوصل إليها إلا بجهود شاقة وتكاليف باهظة وتضحيات هائلة؛ لأن السنة اقتضت ذلك والحكمة نصت على ذلك ليكون العطاء لذيذاً, والهبة غالية, والثمن ضخماً راقياً.
وفي الوحي المقدس : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون }, { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } لا والله لا يصل واصل إلى الولاية الكبرى والسعادة العظمى والعبودية الحقة إلا بجهد مبذول, وعرق مسفوح, ودم مسفوك, وعرض يمزقه الحسد, وسمعة يشوهها الجناة, وقلب يبلغ الحنجرة من التهديد والوعيد, وكبد حرى تشوى على جمر الانتظار, وقلب مفجوع بويلات المواقف, وأهوال تشيب لها رؤوس الولدان, حتى يختطف النصر بجدارة, ويؤخذ الكتاب بقوة, وينال المجد بتضحية, وتقطف الثمرة باستحقاق, وتعطى الجائزة بتأهل, فآدم يأكل من الشجرة ويهبط ويندم ويتوب وينكسر ثم يجتبى ويعلو ويكرم, ونوح ينوح من عقوق الابن, وشقاق المرأة, ومحاربة قومه, وموسى يتجرع الغصص, ويقف تلك المواقف التي يهتز لها الكيان ويرتجف من هولها الجنان مع تهم وايذاء, وصد ومنازلة, وحروب وإعراض وإرجاف.
وإبراهيم يعيش حياته جهاداً في سبيل الله مع تكذيب والده, والأمر بذبح ابنه, وإعراض قومه, ووضعه في النار وملابسة الشدائد, والمرور بالنكبات والمصائب.
ثم تختم قائمة الأنبياء وصحيفة الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم, فتجمع له هذه النكايات جميعاً, ليكون أعلى الكل كعباً, وأثبتهم قدماً, وأسعدهم حظاً, فيموت أبوه وهو حمل, ثم يتبعه جده وهو طفل, ثم يلحقه عمه في زمن الضعف, ثم تتلوه خديجة زمن النصر, ثم يطرد من مكة طرداً, ويشرد تشريداً مع الضرب بالحجارة, ووضع السلى على الرأس, مع قاموس من الشتائم بوصفه بالجنون والسحر والشعر والكذب والكهانة والافتراء والعقوق, والإخراج من الوطن, وقتل الأصحاب, وموت الأبناء, وقذف الزوجة, ومحاربة المشركين, وتربص المنافقين, وصلف الأعراب, وتيه الملوك, وبطر الأغنياء, مع مرارة الفقر, وجدب العيش, وعوز الحاجة, وحرارة الجوع, ومعاناة قلة ذات اليد, فالمرض عليه يضاعف, فهو يوعك كما يوعك رجلين منا , شج وجهه وكسرت ثنيته وجرح جسمه, ثم كان الله معه في كل ذلك ففاز بالزلفى ونال حسنى العقبى, بل وصل أشرف المقامات وأجل الرتب.
ويوسف هنا تبدأ معاناته من هذه الرؤيا, ويستقبل رحلة طويلة, وسفراً قاصداً بهذه الرؤيا, لتتحول الأحلام إلى حقائق في حياته, وتصبح الرؤيا قضايا مصيرية في مستقبله.
هذا عقد بين المسلم وربه,وميثاق بين العبد ومولاه, أن يصرف العبد كل عبادته لله - عز وجل - ولا يشرك معه غيره, وأن لا يستعين إلا بربه جل في علاه, فمن العبد العبادة والمسألة والطلب, ومن الله العون والتأييد, وهذه الآية كما قال الله -عز وجل - في الحديث القدسي: " هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل " وهي ملخص دعوة الأنبياء وموجز رسالة الرسل عليهم السلام.
ومعاني القرآن مجموعة في هذه الآية, فالله أوجب حقه على الخلق, وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, وأوجب على نفسه لهم حقاً إذا فعلوا ذلك وهو أن لا يعذبهم.
والعبادة التي يريدها الله من الخلق هي: فعل كل ما أوجبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال الظاهرة والخفية, واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك, والاستعانة : طلب العون من الله في كل أمر لا يستطيع عليه المخلوق ولا يقدر عليه إلا الخالق, ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله".
{ إياك نعبد وإياك نستعين } وثيقة مقدسة يعلنها المسلم في كل ركعة من صلاته فريضة أو نافلة ليذكر نفسه دائما بهذا العهد العظيم, الذي من أجله خلق الانسان, ومن أجله أرسلت الرسل ونزلت الكتب, وقام سوق الجنة وسوق النار, ومد الصراط, ونصب الميزان, وبعث الخلق من قبورهم, وحصل مافي صدورهم, وعرضت عليهم صحفهم, وأقيم عليهم شاهد من أنفسهم.
{ إياك نعبد وإياك نستعين } هي قضية الخلاف بين المسلمين والمشركين, وهي من معاني لا إله إلا الله, ومن أجلها وقع القتال بين أولياء الله وأعدائه, وحصلت الحروب بين حزب الله وحزب الشيطان, فما بعث الله الرسل عليهم السلام إلا من أجل أن يعبد الله وحده لا شريك له, وما سالت دماء الشهداء إلا ليوحد الله ويفرد بالعبادة ويختص بالتوجه دونما سواه جل في علاه.
{ إياك نعبد وإياك نستعين } سعادة أبدية ونجاة سرمدية بها يتم الصلاح وينال الفلاح وتسهل الأمور وتدفع الشرور, ولا ينال رضى الله ورحمته وعفوه ومغفرته وعونه وهدايته وتسديده إلا بإياك نعبد وإياك نستعين, ولا تحصل النعم ولا تدفع النقم ولا يحصن من المتالف ويسلم من الصوارف ويحفظ من الكوارث والفتن والمحن إلا بإياك نعبد وإياك نستعين, وهي عاصمة لمن قام بحقوقها من الزلل والتخبط العقدي والهوج الفكري والضلال العملي والسفه الأخلاقي والانحطاط السلوكي والشطط العلمي؛ لأن إياك نعبد وإياك نستعين عناية ربانية, ورعاية إلهية, وولاية إيمانية, وبركة القرآن.
وهي أعظم فتح يفتح به على الانسان, فيكرم ويجتبى من عالم الطين, ويصطفى من دنيا الانحلال والتمزق والاضطراب والضياع والانحراف والذل والخنوع والخيبة, فيرتقي هذا الانسان بإياك نعبد وإياك نستعين مكرماً في معارج القبول عند ربه, وفي سلم الوصول إلى مولاه, وفي درجات الفوز إلى خالقه, وهذا أعظم مجد وأجل رفعة وأحسن منزلة وأشرف رتبة, ويهون معها المجد الدنيوي المؤقت المنقطع الزائل الفاني من منصب أو جاه أو مال أو ولد أو شهرة, فيصبح المسلم بهذه الكلمة عزيز الجانب, قوي الركن, عامر القلب, مطمئن النفس, منشرح الصدر, منبلج الخاطر, نير البصيرة؛ لأنه اتصل بالله , ودخل نسب العبودية, ولبس تاج الخدمة للأحد الصمد, وحمل راية الولاية, وتشرف بالانضواء تحت علم { إياك نعبد وإياك نستعين }.
{ إياك نعبد وإياك نستعين } صلة بين الأرض والسماء, وبين الضعف والقوة, والفقر والغنى, والبقاء والفناء, وصلة بين العبد الضعيف الفاني وبين الله القوي الغني الحي القيوم, فيها يحرر الإنسان من الرق للطاغوت, والعبودية للوثن, والاستسلام للشهوات, والوقوع في براثن الغواية, والسقوط في مهالك الردى, وبها يغسل الإنسان من رجس الشرك ونجاسة الجاهلية, وخبث الكفر وأدران الفسق, وأوساخ المعصية, وبها يطهر ضمير العبد من الخواء, وقلبه من النفاق, وعمله من الرياء, ولسانه من الكذب, وعينه من الخيانة, ونفسه من الظلم, فيصبح بإياك نعبد وإياك نستعين عبداً لله مخلصاً مبرأ من الشرك نقياً من الوثنية, معصوماً من نزغات الشيطان محفوظاً من فتنة الشهاوت والشبهات.
إن العبد أحوج ما يكون لطلب الهداية من ربه؛ لأن العبد وحده لا يستطيع أن يهتدي ولا يملك مفتاح الهداية ولا يعرف طريقها ولا يجيد هذا ولا يميز بين الحق والباطل والرشد والغي مالم يهده ربه سواء السبيل, فالذي يملك الهداية هو الله وحده لاهادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى, وهو يهدي من يشاء رحمة وكرماً, ويضل من يشاء قضاء مبرماً سبق علمه أنه لا يهتدي, فوجب على العبد أن يلهج بهذا الدعاء في كل ركعة من صلاته لتصبح المسألة حية في ضميره, سارية في دمه, ماثلة نصب عينيه, ليتذكر دائماً نعمة الهداية إلى صراط الله المستقيم, وهي أجل نعمة تسدى للعبد, وأعظم مكرمة تمنح لهذا المخلوق, والهداية معرفة الحق الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم, والعمل به والموت عليه والبذل لأجله والتضحية في سبيله والجهاد لدوام هذا الحق وخلوده وانتصاره وعلوه وعزته.
والصراط المستقيم هو طريق الله الواضح المبين الموصل إلى رضوانه وطاعته ومغفرته وجنته, وهو طريق بينه الله ودل عليه الرسل, وشهدت باستقامته الكتب, ووافقت على السير فيه الفطرة, ومضى عليه موكب الأولياء, وضوعت به دماء الشهداء, وهو طريق واحد لا ثاني له, فريد لا مثيل له, متميز لا شبيه له, وهو مستقيم أقرب موصل إلى الفوز والفلاح والنجاة, وأسهل معبر إلى الأمن والسكينة والاطمئنان, وأيسر جسر إلى الرضوان والتوفيق, كل المسالك سواه مضطربة, كل الطرق ماعداه معوجة, كل السبل غيره ملتوية, وهذا الصراط المستقيم لايهدي إليه إلا الله, ولا يدل عليه إلا الرسل وأتباعهم, ولا يسلكه إلا من سبقت له الحسنى, ولا يحيد عنه إلا من حقت عليه الغواية, وكتبت عليه اللعنة, وحاقت به الخطيئة, وأوبقه شيطانه ونفسه وهواه.
وهذا الصراط المستقيم مجمل ومفصل, أما مجمله فهداية عامة لكل من سار على هذا الصراط ومضى في هذا الطريق يريد النجاة من غضب الله والفوز برضوانه, ومفصل هذا الصراط استقامة لا التفات فيها, وقيام بتفاصيل الدين وشعائر الملة, وبذل النفس والنفيس لإعلاء كلمة الله, وصرف العمر كله في العبودية, وإنفاق ساعات الزمن وأنفاس الوقت في مراسيم الطاعة صلاة وصياماً وزكاة وحجاً وجهاداً وإنابة ومحبة وخشية وتوبة ورهبة ورغبة, مع المحافظة على سنن المعصوم, والتحلي بأخلاق القدوة الحسنة والتأسي بصفات الإمام الأعظم صلى الله عليه وسلم.
وهذا الصراط المستقيم محطاته ومعالمه ومنازله موصوفة في كتاب الله العظيم وسنة النبي الكريم, بل إن الرسالة كلها والشريعة أجملها شرح لهذا الصراط المستقيم, والوحي أوله وآخره توضيح وبسط لهذا الصراط المستقيم, والله جل في علاه على صراط مستقيم, والرسول النبي الأمي يهدي إلى صراط مستقيم, والقرآن الكتاب المعجزة يهدي إلى الصراط المستقيم.
فجملة اهدنا الصراط المستقيم كلية من كليات الشريعة, وقاعدة من قواعد الإيمان, وأصل من أصول الدين, ولهذه الآية وأخواتها عظم قدر سورة الفاتحة, فكانت من السبع المثاني, والشافية الكافية وأم القرآن, وافتتح بها المصحف, وفرضت في الصلاة, وجمعت فيها الملة, وشفت بإذن الله من الأمراض.
فكم من لديغ للشيطان ذاق ترياقها فتعافى, وكم من جريح من أسهم الغواية عبّ من تميزها فتشافى, اللهم اهدنا صراطك المستقيم حتى نعبره إليك لنلقاك وأنت راض عنا, محسن إلينا, لطيف بنا, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
هجوم أدبي كاسح, وتهديد رباني ماحق ساحق, لأعداء محمد صلى الله عليه وسلم وخصومه ومبغضيه, وهذا ذب عن شخصه الكريم, ودفاع عن مقامه العظيم, فإذا كان المدافع الحامي والناصر هو الله فلتقر عينه صلى الله عليه وسلم بهذا النصر والدفاع والولاية, وشانئه لا يكون إلا كافراً مارداً حقيراً خسيساً؛ لأنه ما أبغضه إلا بعد ما أصابه بخذلان, وكتب عليه الخسران, وأراد له الهوان, وإلا فإنسان مثل الرسول صلى الله عليه وسلم يوجب النقل والعقل حبه, إذ لو كان الطهر جسداً كان جسده صلى الله عليه وسلم, ولو كان النبل والسمو صورة لكان صورته بأبي هو وأمي, فهو منتهى الفضيلة, وغاية الخصال الجميلة, والمستحق للوسيلة, وصاحب الدرجة العالية الرفيعة الجليلة, فكان الواجب على من عنده ذرة رأي, وبصيص نور, إذا كان يحترم عقله أن يحب هذا الإمام العظيم لما جمع الله فيه من الفضائل, ولما حازه من مناقب, ولكن واحسرتاه على تلك العقول العفنة, والنفوس المتدثرة بجلباب الخزي, القابعة في سراديب البغي, الراتعة في مهاوي الرذيلة , كيف عادته مع كماله البشري, ومقامه السامي, فكأنه المقصود بقول الشاعر:
أعادي على ما يوجب الحب للفتى *** وأهدأ والأفكار في تجول
وقول الآخر :
إذغ محاسني اللاتي أدل بها *** كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
أي مقطوع البركة والنفع والأثر, فكل من عاداك لا خير فيه ولا منفعة من وراءه, أما أنت فأنت المبارك أينما كنت, اليمن معك, السعادة موكبك, الرضا راحلتك, البركة تحفك, السكينة تغشاك, الرحمة تتنزل عليك, الهدى حيثما كنت. النور أينما يممت, وأعداؤه صلى الله عليه وسلم قالوا: إنه أبتر لا نسل له ولا ولد, فجاء الجواب مرغما لتلك الأنوف, واضعا لتلك الرؤوس, محبطا لتلك النفوس, فكأنه يقول لهم: كيف يكون أبتر وقد أصلح الله على يديه الأمم, وهدى بنوره الشعوب, وأخرج برسالته الناس من الظلمات إلى النور؟
كيف يكون أبتر والعالم أشرق على أنواره, والكون استيقظ على دعوته, والدنيا استبشرت بقدومه؟
كيف يكون أبتر والمساجد تردد بالوحي الذي جاء به, والحديث الذي تكلم به, والمآذن تعلن مبادئه, والمنابر تذيع تعاليمه, والجامعات تدرس وثيقته الربانية؟
كيف يكون أبتر والخلفاء الراشدون نهلوا من علمه, والشهداء اقتبسوا من شجاعته, والعلماء شربوا من معين نبوته, والأولياء استضاؤا بنور ولايته؟
كيف يكون أبتر وقد طبق ميراثه المعمورة, وهزت دعوته الأرض, ودخلت كلمته كل بيت,فذكره مرفوع, وفضله غير مدفوع ووزره موضوع.
كيف يكون أبتر وكلما قرأ قارئ كتاب الله فلمحمد صلى الله عليه وسلم مثل أجره؛ لأنه هو الذي دل على الخير, وكلما صلى مصل فله مثل أجر صلاته؛ لأنه هو الذي علمنا الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وكلما حج حاج فله صلى الله عليه وسلم مثل حجه؛لأنه عرفنا تلك المناسك: "خذوا عني مناسككم".
بل الأبتر الذي عاداه وحاربه وهجر سنته وأعرض عن هداه.
فهذا الذي قطع الله من الأرض بركته, وعطل نفعه, وأطفأ نوره, وطبع على قلبه, وشتت شمله, وهتك ستره, فكلامه لغو القول, وزور الحديث, وعمله رجس مردود عليه, وأثر فاسد, وسعيه في تباب.
وانظر لكل من ناصب هذا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم العداء, أو أعرض عن شرعه أو شيء مما بعث به كيف يصيبه الخذلان والمقت والسخط والهوان بقدر إعراضه ومحاربته وعدائه.
فالملحد مقلوب الإرادة, مطموس البصيرة, مخذول تائه منبوذ, والمبتدع زائغ ضال منحرف, والفاسق مظلم القلب في حجب المعصية, وفي أقبية الانحراف.
ولك أن ترى سموه صلى الله عليه وسلم وعلو قدره ومن تبعه يوم ترى الناس وحملة حديثه وآثاره, وهم في مجد خالد من الأثر الطيب, والذكر الحسن, والثناء العاطر من حسن المصير, وجميل المنقلب, وطيب الإقامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ثم انظر للفلاسفة المعرضين عن السنة مع ماهم فيه من الشبه والحيرة والقلق و الاضطراب والندم والأسف على تصرم العمر في الضياع وذهاب الزمن في اللغو وشتات القلب في أودية الأوهام.
فهذا الإمام المعصوم صلى الله عليه وسلم معه النجاة, وسنته سفينة نوح من ركب فيها نجا, ومن تخلف عنها هلك, وهو الذي يدور معه الحق حيثما دار, وكلامه حجة على كل متكلم من البشر من بعده, وليس لأحد من الناس حجة على كلامه, وكلنا راد ومردود عليه إلا هو صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لاينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, زكى الله سمعه وبصره وقلبه, ونفى عنه الضلال وحصنه من الغي, وسلمه من الفتنة, فكل قلب لم يبصر نوره فهو قلب مغضوب عليه, وكل أرض لم تشرق عليها شمسه فهي أرض مشؤومة, وكل نفس لم ترحب بهداه فهي نفس ملعونة, فهو المعصوم من الخطأ, المبرأ من العيب, السليم من الحيف, النقي من الدنس, المنزه عن موارد التهم. على قوله توزن الأقوال, وعلى فعله تقاس الأفعال, وعلى حاله تعرض الأحوال.
وقد قصد الكفار بقولهم: إنه أبتر –عليه الصلاة والسلام- أنه لا ولد له, فإذا مات انقطع عقبه, والأبتر عند العرب هو من لا نسل له ولاعقب, فرد الله عليهم وأخبر أن من عاداه هو الأبتر حقيقة.
وفي هذه السورة ثلاث آيات: فالأولى عن الله عز وجل وعطائه للرسول صلى الله عليه وسلم, والثانية للرسول صلى الله عليه وسلم, والواجب عليه في مقابلة هذا العطاء وهي الصلاة والنحر, والثالثة لأعدائه صلى الله عليه وسلم وهو البتر والقطع من الخير والبركة والنفع.
وفي السورة تكريم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم, وإثبات الكوثر له كما صحت به الأحاديث أيضا, والدفاع عنه وجواز سب الكافر وشتمه وزجره ليرتدع